07/08/2022

.

A good word aimed at the service of humanity

دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق.. مشاهد من رحلتي الأخيرة.. ح ـ9 ـ، ميسان بقلم: د. مديح الصادق

1 min read

مديح الصادق

Spread the love

دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق.. مشاهد من رحلتي الأخيرة.. الحلقة التاسعة، ميسان
مديح الصادق… حزيران 2014
ميسان التي اختلف المؤرخون في جذر تسميتها، واتفقوا جميعا على أنها مهد لحضارات بشرية لمَّا تزل آثار لها شاخصة تحكي أن بُناتها أحبوا الحياة، والسلام لمن يبغي السلام، (ميشان) باللغة الآرامية تأكيد على أن الآراميين قد كانوا أهلها، وملوك البحر الذين سلطانهم بسطوا على مملكة ميسان، من فارس حتى بحر العرب كانت لهم عملة مسكوكة باللغة المندائية؛ هكذا أخبرنا زميلي الباحث عبد الجبار الجويبراوي – الذي سعدتُ بلقائه – في كتابه عنها، وفي الطيب قلعة على حدود إيران تسمى (كوت الصبَّة) إذ كانت عاصمة لتلك الدولة، وهذا مايبدو اليوم تجسيدا لأخلاق تلك الأقوام الغابرة، في سلوك أهل ميسان الراقي، بجانب نقاء منابعهم، وما يحملون من كرم وطيبة وصفاء النفوس، وتعايش سليم بين كل مكوناتها على العكس مما يجري في بغداد وفي بعض المحافظات الأخرى؛ ففي ميسان اليوم تسهر حتى الصباح وقد تجد باب بيتك غير مقفل بانتظارك، وتنام ملء جفنيك دون خوف أو خشية من مكروه، ويهرع لك جارك قبل أن تصل الإسعاف إليك، شيعة، سنة، مندائيون، مسيحيون؛ كعائلة واحدة في السراء والضراء أخوة تحاببوا على الخير، وهذا عنه ما لم يحدثني أحدٌ؛ بل لمستُه لمسَ اليد.
منتصف حزيران والحرّ يضيق أنفاسي، ولعبة الكهرباء، كم تمنيت أن أغمس جسدي في (شريعة السرِّية) أو نهر الجادل المجاور لبيت طفولتي في (الحلفاية) وهناك شوق عارم لأستعيد ذكرياتي مع أصدقاء أحببتهم، وزملاء عملت معهم، في التعليم، وفي مجال الفن والثقافة، وكم من عَلَم له يشار بالبنان أنجبتْ ميسان في شتى حقول العلم والفن والأدب والسياسة، وكم من مجلس من مجالس قبائلها العريقة قد تعلمتُ منه درساً في العدل وإحقاق الحق، وتوثيق صلات الرحم، وكم من شيوخها جالست.
صديق طفولتي وصباي كان يترقب تلك الزيارة على أحر من الجمر، وبين الفينة والأخرى على الخاص يتعقب خطواتي، الشيخ الأديب الناشط المدني والاجتماعي، عايد حامد الساعدي، لم يثنه بُعد المسافة، والحرُّ الشديد، وعثرات شوارع السريَّة من أن يطرق الأبواب بحثاً عن بيت مُضيِّفي، صهري الكريم، كريم الشيخ خلف الشيخ جثير، ليصحبني أبو عمار، الشيخ عايد في جولة شهدتُ فيها وجهين للعمارة، وجه عمران حديث، تحدث عنه الإعلام وسلط الأضواء عليه، ووجه خراب وإهمال لم ينل نصيبا من الاهتمام إعلامياً خوفاً على صورة الجميل من التشويه، كان الاتفاق أن يصحبني غداً أبو عمار في جولة إلى المشرح وأريافها، وإلى مضيف الكرام الحكماء، أهلنا السواعد في قرية شط الأعمى؛ لكن انشغاله بما استجد من أوضاع شغلت كل العراقيين النجباء؛ حال دون ذلك، واكتفيتُ بتلك الساعات الجميلة والضيافة الساعدية، لله درُّك أيها الوفي، سليل الأوفياء، أبا عمار العزيز؛ فِداكَ بعضُ أبناءِ لحمة لي، شغلتْهم عن لقائي بعد غيبة طويلة مُغرياتُ كسب المال، وأوساخ الدنيا الفانية؛ فدسُّوا رؤوسهم فيما بين السيقان.
بعض المحطات في العمارة كانت وجهتي، ولابد من دليل يدلني، فالوجوه التي عنها أبحث ما وجدتُها، شباب كان بعضهم من طلبتي يحمل عني ذكرى قساوتي على المهملين منهم، واهتمامي بالبارزين وتوجيههم للصواب، دليلي حاضر فهو ابن أختي، الشاب الناشط المدني والسياسي أسامة كريم الشيخ خلف، مبنى المحافظة حيث مكتب نائب المحافظ الأستاذ ناظم كاطع رسن الساعدي، استقبلَنا بحفاوة، قدَّمني باعتزاز لضيوفه القادمين لتهنئته بفوزه في البرلمان الأخير، وفي مديرية شباب ورياضة ميسان كان لنا لقاء بمديرها الشاب الطموح ذي الخلق الرفيع، السيد حكيم المولى إذ كان مستمعا شغوفا لما به حدثتُه عن تجربتي في ميسان في مجالات الشباب والثقافة والفن، وتلقيت منه عرضا لاستضافتي في أمسية شبابية أنقل فيها إضافة لخبرتي أوضاع الشباب ومكانتهم ودورهم في المجتمع الكندي؛ لكن سفري المفاجئ حرمني من تلك الفرصة الثمينة، منك العذر سيدنا العزيز، ومن شباب ميسان الأحباء.
كانت لي رغبة بأن أحضر الرصيف المعرفي على شارع دجلة الذي تنظمه مجاميع من مثقفي ميسان وفنانيها وأدبائها؛ لكن توقيته يوم الجمعة من كل أسبوع حال بيني وإدراكه، فعلى ذلك كثيرا أسفت، اصطحبتُ دليلي أسامة إلى مقر الحزب الشيوعي العراقي في زاوية بعيدة عن الأضواء والواجهات التي تشغلها أحزاب في السلطة جعلتْ منها معالم تبرز مدى سطوتها، وعمق سلطتها في الدولة، ذكرتني بمقرات ذلك الحزب الذي استولى على الكثير من مرافق المال العام إبان النظام المقبور، على واجهة شقة – بلا حراس ولا رشاشات – أثاث متواضع بسيط، في شارع فرعي كُتبتْ لوحة (مقر الحزب الشيوعي العراقي في ميسان) استقبلنا الرفيق أبو أحمد بحفاوة، واستذكرنا ما تبقى في وشل الكؤوس، على شارع دجلة حيث تحولت الحدائق العامة إلى كازينوات ونافورات المحافظ (علي الدواي) تسهر حتى يتثاءب الليل، أشار لي أسامة إلى مكان يلتقي فيه المثقفون (اليساريون) ألقيتُ التحية ثم قدمتُ نفسي ومن أي بلد جئت، ردَّ السادةُ السلامَ دون أن يرفعوا رؤوسهم عما به انشغلوا، دومينة، وطاولي، استريحوا، لا شكرا، إلى اللقاء أيها الأعزاء. كاظم العبودي صديقي العزيز فنان مسرحي وتشكيلي، بالأحضان فقد جمعتني وإياه أجمل الأعمال والمواقف يوم كنت أخرج عمداً عن النصوص المسرحية واضعا روحي على الكف، التقيتُ صديقي وزميلي الفنان جميل جبار مويعز، مع نخبة من الإعلاميين الشباب، وكم وددتُ أن ألتقي صديقي وزميلي الشاعر نعمة مطر العلاف، وأبي ممدوح الفنان كاظم فندي، وغيرهم ممن لهم في القلب منازل لا يستحقها إلا الكرام؛ لكن الرياح لم تكن كما اشتهيت؛ فعذراً منهم إن أنا قصرت.
يتبع الحلقة العاشرة

 
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmailby feather

10 thoughts on “دماً مازلتُ أنزفُ، يا عراق.. مشاهد من رحلتي الأخيرة.. ح ـ9 ـ، ميسان بقلم: د. مديح الصادق

Comments are closed.