06/12/2022

.

A good word aimed at the service of humanity

بدمٍ باردٍ.. قصة قصيرة بقلم: أجانا خديجة/ المغرب

1 min read

خديجة أجانا

Spread the love
بدم بارد
دس في يدها ورقة خضراء مهترئة وابتسم بخبث. تمتمت و هي تغادر غرفة فندق وضيع: “سافل حقير، خمسون درهما!” اغتالت دمعة قبل أن تنزلق على خدها، استجمعت قواها واختفت في عتمة درب طويل تجر جسدها النحيل المتهالك بخطوات متثاقلة وتلعن حظها المتعثر. يدور رأسها ويفتل من مفعول مشروب رخيص تدمنه لتسلم الجسد دون أحاسيس. تفكر في تغيير “الموقف”، تتذكر كيف تكالبت عليها أيدي مومسات يحتكرن “موقفا” ارتادته يوما طمعا في تحسين دخلها الزهيد. تحسست آثار الجروح والكدمات على جسدها فعدلت عن الفكرة. تزاحمت في رأسها أفكار شتى، انتابتها مشاعر سخط وغضب وهي تسترجع لحظة سيقت كالشاة إلى المذبح.
كانت في الحادية عشرة من عمرها حين اقتلعها زوج أمها الحشاش من جذورها في تلك القرية الموغلة في البؤس والتهميش… وألقى بها لدى أسرة بالمدينة لتعمل خادمة. كان جسدها أصغر من أن يتحمل مشاق الكدح اليومي. سلمها وتسلم ثمن عرقها ورقات معدودة مع وعد بتسلم مثلها عند متم كل شهر. هم بالمغادرة، بكت وتعلقت بأطراف جلبابه، دفعها بعيدا عنه وغادر مزهوا وقد تخلص من عبء لقمتها و ضمن مبلغا شهريا يصرفه على كيفه. بكت ليلتها كثيرا ولم تفارقها صورة أمها وهي تبكي وتتوسل إلى زوجها أن يترك صغيرتها في حضنها.
مرت أيام و ليال، تحملت وجع الفراق، دفنت حزنها العميق بين جوانحها وكرست وقتها لعمل مضن غير مدفوع عنه يفوق قدرتها. تحملت سوء المعاملة و الجوع و البرد و كسر الخاطر… بعد أن يغفو الجميع ليلا، تبسط فرشة قديمة على أرضية المطبخ وتتهالك عليها، تحضن وجعها و ألمها، تدفن رأسها الصغير في وسادتها وتطلق عنان دمعها.
تسلل، ذات ليلة، إلى مخدعها وحش آدمي، كتم صوتها و نهش لحمها الطري نهشا. دنس جسدها الطاهر، اغتال براءتها بدم بارد وتركها كالذبيحة تتخبط. صمتت، تكتمت على الأمر وتحملت. استغل صمتها فداوم على اغتصابها…
فكرت في الخلاص، خرجت ذات صباح ولم تعد. تاهت في شوارع ودروب المدينة “الغول” طول النهار دون هدف إلا أن تبتعد قدر إمكانها عن وكر “الوحش”. ما كاد النهار يغمض عينيه و الليل ينشر سواده حتى كانت أيدي سماسرة الجنس قد تلقفتها بضاعة طرية. استغلوا صغرها وجهلها، ساوموا على جسدها وعقدوا صفقات بيعه لمدمني اللحوم الطرية من الوحوش الآدمية. منحوها تأشيرة مفتوحة لولوج عالم الدعارة والرذيلة الموبوء هي اليوم، بعد أن جف لحمها وفقد نكهة الطراوة، بعد أن لفظها السماسرة والوسطاء، تنشط وحدها في الميدان، تنشط كسفيرة فوق العادة لتفريغ الوباء.

 

Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmailby feather

4 thoughts on “بدمٍ باردٍ.. قصة قصيرة بقلم: أجانا خديجة/ المغرب

  1. Thank you for another great article. Where else could anyone get that kind of info in such an ideal way of writing? I have a presentation next week, and I am on the look for such information.

Comments are closed.