26/05/2022

.

A good word aimed at the service of humanity

آني الوكيل مؤرخًا للموتى وساخرًا من الأحياء في رواية “الحالة دايت” بين فعل الكتابة وإشكالية الموت. د. مختار أمين

1 min read

مختار أمين

Spread the love

ـ آني الوكيل مؤرخًا للموتى وساخرًا من الأحياء في رواية “الحالة دايت”ـ
بين فعل الكتابة وإشكالية الموت:
مختار أمين/ مصر
لا شكّ أن الكتابة تفعل فعل السحر في نفسيّة الكاتب، وتشكّله، وتعيد بناءه من جديد، إذ هي تتحكم في ميوله وأفكاره وتوجهاته وعقائده.. ترسمه من جديد.
ليس على أفضل شكل كما هو متوقع لأنها مزاجية فكرية، تتحكم في المزاج الإنساني، وتخلق في العقل أنزيمات خاصة ترسم سلوكه، وهذه الأنزيمات تصنع عقلا خاصا له إستراتجيته، ومن هنا تتحدّد سمات شخصيته، ويصبح مختلفا عمن حوله ومن يعيشون معه، يبدو في الإطار الشكلي العام جذّابا، مصدر ثقة أحيانا، لكنه في حقيقة الأمر إنسان توحّدي، يتعامل مع الحياة بفردية ونرجسية لا يستطيع الخروج منها كليّا، ولكنه يمارس الحياة مع الآخرين على تماس الدائرة، لا تستطيع أن تجزم إنه يعيش مع من حوله حياتهم الكاملة بكل طقوسها، فهو (رافض) لأغلبها، وما يقنعه منها يعيشه بشكل خاص بطريقة فريدة، وليس معنى هذا (أنه منعزل) عنهم، ولكنه في أغلب الوقت ممثّل جيد، يمثّل أدوارهم في أغلب الظروف، لأنه مراقب مستكشف على طول الدوام للحياة والناس، فنجده رغم الصورة الشكلية الهامشية التي نقرّها هنا عنه (مؤثرا) تأثيرا إيجابيا في الحياة والناس، لا نعدم قيمة أثره وهيمنته بما يرصده لنا في كتاباته.. والأستاذ سيد الوكيل هو من النماذج الدالة بشدة على فعل الكتابة وأثرها على المبدع نفسه قبل المتلقي، ففي الحالة (دايت) كتب ومن خلفه هاجس يدفعه أن “الكتبة” فعل الكتابة لديهم يجعلهم نوعا من الناس (خاصا) جدا، كأنهم (أرواح) شفافة تتسكع في حواري وأزقة الدنيا وشوارعها ومقاهيها وبيوتها دون رابط ولا إجبار، وإن كانوا مجبورين على أغلب تجارب حياتهم مع الآخرين، رغم أنهم يقلّدون العامة في أغلب (مسؤوليتهم) وهمومهم، غير أن الشفافية لديهم هي التي تشعرهم بقليل من الحرية وبعض الإمتاع في حالات الكتابة وبعد المولود الأدبي بقليل، ورغم ذلك هم من أكدر الناس وفقا لمزاجيتهم الخاصة التي كثيرا ما تجعلهم غير مستمتعين بالحياة..

أما الكاتب سيد الوكيل (وبالذات) في الحالة دايت، أراد أن يقول لنا: “قفوا.. تأمّلوا.. لماذا تكتبون؟ ما هو أثر فعل الكتابة في حياتكم وعلاقتها بالحياة ومن يعيشون معكم؟ هل رأيتموهم بالفعل؟ هل وضعتم “تلسكوبكم” الدقيق عليهم ورأيتموهم من الداخل والخارج بشكل صحيح؟ هل تعلّمتم منهم شيئا؟ هل أثروا فيكم تأثيرا إيجابيا لفن ممارسة الحياة قبل الرحيل ـ قبل الموت ـ؟ ففي الغالب قال عن نفسه في الحالة دايت:”لا.. عن نفسي أشك أني تعلّمت منهم بالشكل المرضي الكافي لنفسي النهمة، وربما تعلّمت منهم الكثير لأجل الآخرين بفعل الكتابة” هو نقل للقرّاء بدقة الكاتب المحترف المتخصص في فن الكتابة الجاذبة، كتب عنهم جميعا بخبرة الصانع الماهر الذي حرفته الكتابة، هي ذاته المشكّلة المتوّجة بالإبداع الكتابي الأدبي؛ فخرجت كل كتاباته متحررة غير مقيّدة في أغلبها عن التجنيس الضيّق الذي يوجّه القلم، ويحدّ من عملية الكتابة وفعلها، بمثل اكتشاف لعبقري العائلة الفاهم الحكيم الفيلسوف ” فيلسوف العيلة”. أنا أدرك البغية والمقصد والأثر المفيد.

لماذا؟ حين نتأمّل شخصيّاته الحيّة في كتاباته، وكيفية إعادتهم للبعث من جديد من خلال عملية الكتابة، كأننا نراهم من جديد، وكأنه أكسبهم (روحا) جديدة بنفس وميض روحهم قبل الرحيل والموت، يجعلنا نشعر أننا فقدنا عزيزا، قد أخلّ من إيقاع الحياة بداخلنا، وأشعرنا (بمعان) جديدة لمفهومنا لهؤلاء.. كيف كانوا يحيون بيننا ولا نكتشفهم؟ هو يبتكر لهم خصوصية وعبقرية، يشعر بذواتهم، وكأن الله لم يخلق عبثا، يخلقنا جميعا لندور في فلك واحد، كل منا خلقه الله في واقع معيّن، في زمن معيّن، بجنسية معيّنة، في ظروف بيئية معيّنة تماثل مادته وروحه، كل معارفه من مئات الشخصيات أو الآلاف لسبب معلوم، لنتعلّم جميعنا من بعضنا، الحياة والطقوس والأماكن والشخوص توجّهنا لنعيش قدرنا الذي سجّله الله علينا، كل منا سبب للآخر، والوكيل يكشف لنا هذا من وجهة نظري بوضوح شديد، كأنه يقول: “تأمّلوا.. ابحثوا في من يعيشون حولكم.. ادرسوهم جيدا، هم سبب في تشكيل قدركم.. هم يعلّموكم دون أن تدروا.. هم يكشفون لكم عن أقداركم الغيبية لو تأمّلتم” فنجده يؤكد على ذلك برؤية الفيلسوف الذي يسرد حياة، أو أقصد بروح حياة..

كلنا نعيش في مسرحية كبيرة على مسرح الدنيا، (حدد وليس كلف) الله لكل واحد فينا (دورا مخططا معلوما)، لنعيش أقدارنا، كل منا مساهم رئيسي في قدر الآخر، وحين ينتهي تأثيره الفاعل في أقدارنا يرحل وينتهي، ولكن من هو مثل الوكيل يستعيده مرة أخرى ليكتشفه من جديد، ويكتشف أثره من خلال الذاكرة، وفي عملية الكتابة المهموم بها..

سيد الوكيل يخطّئ نظرية أحلام مستغانمي في رواياتها في عملية التدوين والسرد والكتابة، إذ أن أحلام تعتقد في رواياتها، وبعض الكتّاب معها، بمفهوم أن الرواة يكتبون (عمن) يريدون قتلهم في رواياتهم، (ووأد) ذاكراتهم في مخيّلتهم، ولكن الوكيل يعيد الكشف والبحث ويجدّد في النظرية، بأنه يستعيدهم للحياة من جديد، ويعطيهم عمرا أكبر من أعمارهم على الأرض، وكيف يجعلهم (أحياء) باقين في مخيلة وذاكرة محبيهم؟ كيف يجعل محبيهم (يستعيدون) اكتشافهم مثله، (ويظلّون) أحياء في حياتهم، فهو يتأملهم بطريقة خاصة من خلال “فلاش باك” لأرشيف الذاكرة، كما كتب عن والده في مقبرة للعائلة كبداية لترقب الموت يزحف، ويرصده في قلق وحذر: “في أيامه الأخيرة، أبي كان يفقد شيئا من ذاكرته كل صباح. كأنها أوراق جافة لا تستقر على أغصانها، تتأرجح قليلاً ثم تسقط في بحيرة راكدة”
وكما كتب عن أصدقائه الكتّاب الذين رحلوا..

وكما حدثنا عن إبراهيم فهمي الذي أنفق عمره على المقهى: “كان إبراهيم فهمي يشعر بوحدة عميقة، حتى وهو بين أصدقائه ومريديه على زهرة البستان. لكنه عوّض وحدته بحضور كثيف. عندما مات، كان حضوره في ذاتي أكثر كثافة بقوة الموت. كثافة لا يمكنك مقاومتها عندما تتسرب إلى روحك كالطيف، هكذا، وجدتنى مضطراً للبحث عنه ومطاردته في أماكنه الحقيقية”

ودعونا نكتشف كيف يعيدهم للحياة مرة أخرى بطريقته: “كانت رحلة البحث عن إبراهيم فهمي مضنية بالنسبة للقاص الجنوبي، وبالنسبة لي أيضا. كنت كمن يبحث عن نمر أسود في غابة كثيفة مظلمة. كان طيفيا ومراوغا ومنفلتا بين الأحراش، لكنني في كل لحظة، أشعر بحضوره الكثيف وأنفاسه الحارة تدلّني على مكانه وتغويني بمطاردته. هكذا، كان لا بد من الإمساك به وحيداَ على مقعد بزهرة البستان. وكان يحتاج إلى كثير من المبررات الفنيّة لأمسكُ به هناك، لهذا أرسلتُ له القاص الجنوبي يبحث عنه في كل شوارع وميادين وسط البلد” وكما أوجعني عندما تحدث عن سيد عبد الخالق: “أمَّا سيد عبد الخالق فلم يكن يحتاج إلى شىء من كل هذا. (يقصد إعادته للحياة) كان حاضراَ في القصة وحسب. لهذا صنعت له نصا معقداَ، ووضعته بين أحراش من المجازات والمعاني الرمزية لأمنح حضوره الشفيف شيئا من الكثافة. في الحقيقة.. سيد عبد الخالق هو الذي هاتفني بنفسه، لسبب ما صرت عجوز الملاحم، موثق بطولات أصدقائي الموتى، سيد عبد الخالق هو الذى أيقظني من نومي على رنين خافت وضبابي مفعم برائحة الموت وهواجسه السحيقة لأكتب عن موته”.

ويستمر في عملية مراقبة الموت زاحفا مستترا في عباءة اللهوة الحياتية وصخب النهار، مجدي الجابري، أعاد حياته بالنسبة لزوجته وأولاده، (وأصدقائه): ” أول مواجهة بيننا (يقصد الموت ((المتمثل)) في لقائه الأخير بمجدي) كانت في شقة صغيرة بمنطقة أم المصريين. شارع ضيق (يشغى ؟) بعيال يصطادون الحواديت، هذه حياة حقيقية وليست بروفة. وفيما هم يتكلمون ويصخبون لا يدري أحد منهم أن السرطان يسكن على بعد خطوات في حجرة صغيرة. يتنصت عليهم ويعرف أخبارهم ليكتب بيديه المعروقتين سطوراَ من موتهم القادم. كالمعتاد، كان ينام على سرير رجل بدلاَ من زوجته. ولأن هذا الرجل كان يؤمن بأن ما لا يجرب بالجسد لا تصح شهادته ولا يصدق. ترك السرطان يتحسس جسده لينتفض بالألم والشهوة ويكتب (قصيدة) أخيرة عن بنتين جميلتين وزوجة تشبه بطة برية… كان مجدي الجابري هو هذا الرجل الذي اصطاد الشعر من بين الحواديت. ثم وزّعه بيده الشاحبة على مقاهي المثقفين وأماكنهم الصغيرة السرية. هذه اليد التي صافحني بها عندما زرته في بيت قديم بأم المصريين. ولم أكن أدري أنها يد السرطان.

كانت هذه آخر مرة رأيت فيها مجدي الجابري. لكن الشعراء يقولون إن مريدهم كان يحن إليهم، ويزورهم كلما اشتاقوا إليه، يحمل بين يديه الشعر والحواديت، صار وليا،ً شيخا من أهل الخطوة، يتجلى لدراويش الحضرة الشعرية”

ونراه وهو (متحفز) في مواجهة حقيقية مع الموت عندما يصارعه في نفسه ويخشاه: “عندما صافحتُ مجدى الجابرى أخر مرة، علقت بيدي رائحة الموت، طبع موته على جسدى، كان يؤمن بأن للجسد لغة لا نخطئ هجاءها. كان يعرف أننى سأكتب عن موته كما كتبت عن موت إبراهيم فهمي، في هذه الليلة، ذكرني بجملة قلتها له يوم كنا نسجل آخر حلقة تليفزيونية بالقناة السادسة” وأيضا: “الخبرة الحسيّة لا تنقل، بل يجب أن تعاش… حملتُ موته على يدي وخرجت، كان الناس في الشارع الضيّق يصخبون كالعادة، لم يلتفت أحد إلى رائحة الموت التي تفوح مني وأنا أمشى بينهم”

وفي فعل الكتابة ومراقبة الموت يقول: “اليوم اكتشفت أن ثلاثة أرقام علىّ أن (أمسحها) من قائمة الأصدقاء: محمد عبد المعطي وعلى شوك وخيري عبد الجواد. كأني سوف أعلن موتهم الآن وهنا لو قمت بمسح أسمائهم، كأن الأسماء تمتلك قوة سحرية تبقي الناس على الحياة. سأمنحهم وجوداً خاصا على هاتفي وأعد نفسي أن أهاتفهم يوما” ويقول: “لا أعرف من أين يأتي الأدباء بهذه الشجاعة ليكتبوا عن أصدقائهم الذين رحلوا للتو؟ هل لأن الكتابة بالنسبة لهم نوع من التعبير الانفعالي السريع، يعكس جزعهم ولوعتهم بفقد أحد الأصدقاء؟ أم لأنهم يقدمون الكتابة قربانا للموت ليبعدوه عنهم؟ أم لأن المساهمة في ملفات التأبين واجب اجتماعى يليق بالأدباء والمثقفين؟ لم لا؟ الأدباء يعيشون حياتهم على الورق، فلماذا لا يكون موتهم مثل حياتهم، على الورق أيضا؟ ندفنهم فيه، ونقيم سرادقات عزائهم على صفحات الجرائد والمجلات. (ياألله) .. الأدباء كائنات ورقية، حتى الموت”

وعندما يصطاد الكتابة كما نصطاد الفئران بمقشّة بلح من على أفواه كتابات الكتّاب، أو بشبشب ذنوبة، لا بقصد عدم صيدها صيدا مباشرا مريحا، (بل)بقصد التلذّذ بعملية الاصطياد، التعب الذي يعيدنا في ظنّه أننا انتهينا (مستريحي) البال؛ فبدل أن يكتب عن أصحاب الكتابة يكتب عن فعل الكتابة فيهم: “مستجابيات… للتعبير عن حيرتى فى تصنيف كتابات محمد مستجاب، كتابة مستفيدة في هوامشها ومتنها من لقبه الذي خلعه على أبطاله فجللهم بالفخار والعار وجعل منهم حكماء وحمقى وأمراء وصعاليك على نحو ما نرى في مستجاب الأول والثاني من آل مستجاب ..إلى آخر مستجابياته الفاضل والبأف والكلب”.

فهو يتكلم عن الموت بعين الخبير الراصد المترقب، يتسمع لدبيبه في النفوس، يقول في مقبرة للعائلة: “بدأت أفهم رغبته في البحث عن أمه، نوع من العود الأبدي إلى الرحم. فكرت في التشابه الحسى بين الرحم والأرض. حيث تعود أجسادنا لتذوب فيها من جديد . الأرض رحم كبير نعود إليه فيما يشبه الحنين إلى الأم” ويرصد أن الموت يبدأ بالنكوص بالرجوع لمرحلة الذكريات القديمة، وهو يتتبعه (ويترقبه) على الوجوه، والحكايات: “لم أفكر أن أبوح لزوجتي بهذه الاستنتاجات المعقدة حفاظا على مشاعرها. تكره أن أحدثها بلغة لا تفهمها، فيما هى تتفاهم مع أبى ببساطة، كانت تصدقه، وتغوص معه في طفولته، تمشي معه في شوارع قديمة، وتقابل وجوها ماتت منذ زمن. تفرح معه عندما ينجح في استرداد مسدسه، أو يكسب عددا كبيرا من البلي”.

وعندما يستسلم لتداعيات الموت، وعندما يجلس مع نفسه (يقرأ) في فصل كتاب الكتابة، حيث أنه أبدل الاسم الحقيقي لكتاب الموتى لآني مسجل الموتى عند الفراعنة، هذا الرجل الذي انتحل شخصيته ودوره وعمله سيد الوكيل في عصرنا الحديث؛ فيقول: “يا أيها الواحد الذى يلمع كالبدر، يا أيها الواحد الذى يتوهج، اسمح لهذا المرحوم آنى أن يتقدم وسط زمرة التابعين لك الذين فى الخارج. علّ الذين هم في ضوء الشمس يطلقون (سراحه)،علّ العالم السفلى يفتح له. أنظر المرحوم آنى، ها قد طلع النهار ليفعل ما يجب على سطح الأرض وسط الأحياء. (من كتاب الموتي).

ثم يدخل في لب الترقب والتعقب للموت بحكم انتحال الشخصية؛ فيقول عندما تكلم عن الكاتب محمد أبو الدهب: “والله عنده حق، فالموت جميل ويستحق، جميل مثل الفن والحقيقة والمطلق واليقين الصوفي المغوي بالأبدية، وهو المجهول الغامض المحاط بالأساطير والحكايات حتى ليبدو أكثر سرديات التاريخ البشري ثراءً وغرائبية وتنوعا”. فنجده مؤرّخا عن الموت حين قال عن الكاتب نفسه محددا شكلا من اشكال الموت، وخاصة عند الكتاب: “حصل الكاتب على (ميتةٍ) مبتكرة لا يتوقعها أحد، طبعا لايجب أن يتوقعها أحد، فالموت لديه حيل عديدة لاتخطر على بال كتّاب القصص والروايات. ابتسمت لنفسي وأنا أفكر أن هذا الكاتب، ربما يكون هو آني ذاته، لابد استنفد كل حيل الموت التى يعرفها ويكتبها للناس فعرف أنها نهايته هو فبكى، ولابد كان يحتفظ لنفسه بحيلة أخيرة،

حيلة تليق برجل احترف كتابة قصص الموت، هكذا قلت لنفسي،عليّ أن أكتب موتي بيدي.

هل كان أبو الدهب يكتب قصة أنى صاحب كتاب الموتى الفرعوني؟ أم

يكتب قصته هو؟” مستشهدا (الوكيل) على الدلالة في نقله لهذا المشهد: “بهذا البحث الدؤوب عن صور الموت، أعتقد أن محمد أبو الدهب تلبس روح آنى، وقرر أن يصنع لنا كتابا جديداً للموتى؟ وأظن أنه لن يتوقف عن محاولاته هذه حتى لو مات هو نفسه، فذات مساء وبعد صدور هذه المجموعة كنت أجلس على مقهي صالح مع القاص محمد عبد النبي، عندما هاتفته القاصة والصحافية سمر نور، كانت شديدة الانزعاج والتوتر، وهى تبلغ محمد عبد النبي عن رسالة جاءتها من محمد أبو الدهب على تليفونها المحمول، تقول إنه يفكر في الانتحار. وطلبت منه أن يفعل شيئا لأن أبو الدهب أغلق تليفونه بعد هذه الرسالة.

طمأنها عبد النبى، بأن الذى يريد أن يموت لن يقول للناس إنه يفكر في الانتحار، وأن الحكاية كلها مجرد مداعبة بين أصدقاء. أنا شخصيا كنت أفكر في أن محمد أبوالدهب يبحث عن قصة جديدة للموت” كما يقول تحت عنوان عرض أخير: “بشغف مرضي في الليل قبل أن أنام، (يقصد مشاهدة نشرات الأخبار) لأطمئن بأن أحوال العالم تمضي على ما يرام، والناس مازالوا يموتون ويجوعون ويعتقلون ويسرقون بعضهم بعضا.ً ببساطة أصبحت مثل الملايين غيري مدمنا علي المشاهدة، فقط كل يدمن الصنف الذي يناسب مزاجه”.

كما تلصص عليه في إبداع روائي مؤثر يجذب المتلقي، عندما حكى حكاية عن عنايات البحيري، الكاتبة التي دخلت لعالم الموت لتكتبه؛ فكتبها بنفس تلهفة على الكتابة، وبنفس أسلوبها بشكل معايشة (دفيفة؟) لروحها، نراه يكتب عنها بنفس روح فلمها: “بالتراب الناعم وعوادم السيارات وحرارة شمس صيف طويل، تعكس أبخرة طيفية تتراقص على الأسفلت، فتحس بها تحرق عينيك وتكوي جيوبك الأنفية. وها أنت تدخل مبنى يشبه في تصميمه مركبة فضائية كبرى، اللافتة المعدنية المصقولة ستخبرك أنه مركز لعلاج الأورام. من الداخل يسبح المبنى في الصمت والبرودة. فقط أزيز كشافات الإضاءة في الطرقات التي تمتد وتتقاطع فيما يشبه لعبة السلم والثعبان، تأخذك على وش الدنيا في لحظة، أو تغوص بك في قاع سحيق في لحظة أخرى، تنعكس الأضواء على الحوائط البيضاء وأرضيات السيراميك الزلق، تفرض عليك السير بحذر. والاقتراب بحذر، من ثلاث سيدات يتحركن ببطء أمامك، لكنك تلاحظ أنهن بلا ظلال تقريبا.ً هذا دليل دقة توزيع الإضاءة في الطرقات، بحيث يبدو رواد المكان وكأنهم كائنات شفافة، مهيئون تقريبا للتبخر في أية لحظة. ستلاحظ أيضا أنهن متقاربات في السن، وربما القوام. غير أن الوسطى مميزة بينهن بنحولها وقصرها ومريولها الأبيض المفتوح من الخلف، وهى تبدو متهالكة في مشيتها، متساندة على رفيقتيها، ومع ذلك تبدو أنها هى التي تقودهما، فيتوقفان كلما أبدت رغبتها في التوقف والتقاط الأنفاس. هكذا تنتهز إحداهن الفرصة وتحكم الفتحة الخلفية للمريول أو تعدل منديل الرأس، لتدارى خصلات شعر قليلة ومتهدلة. لحظات.. ويبدأن التحرك من جديد، بنفس البطء، يمضين إلى نهاية الطرقة الطويلة، وبلا ظلال تقريبا”.

هنا سيد الوكيل يكشف أنه روائي محترف سارد عظيم، ويكتب السرد الكلاسيكي محافظا على أصول جنس الرواية التقليدية، (وهذه معلومة لقرّائه الجدد)، أو لمن هم (يقرأون) للوكيل بلا تعمق، متشككين في هويّة سرده أحيانا.. سيد الوكيل أراد لنفسه نهجا حرّا خاصا به، يعطي الحرية لقلمه يرصد وينقل ما يشاء، في خبرة المحترف الذي لا يحيد عن الهدف، يدرك مبتغى الأدب وأثره المرجو على المتلقي..

إذ أن الأدب بمفهومه الكلاسيكي وأثره على المتلقي حتى في منحى الحداثة الجديدة، يهدف للإجابة على عدد من التساؤلات قد أوردتها في مدخلي في هذه الدراسة؛ فنراه قد أجاب عن هذا السؤال باقتدار: ” قفوا.. تأمّلوا.. لماذا تكتبون؟” بل ورسّخ معنى شعرته بشدة في عملية الكتابة الأدبية على طريقته التي بعثت الروح في أناس قد رحلوا عنا، وجعلنا نتأملهم من جديد، ونعيد قراءة أعمالهم ومواقفهم في الحياة، كما أنه علّم الجيل الجديد الحرية في الكتابة، حرية مضبوطة ولها قوانينها، باختصار أن تتعلم من كل (من) سبقك ككاتب ثم تحاول الخروج عليهم بشكل لديه القدرة على ترسيخ المضمون المعرفي، على نقل واقع لم يروه من خلال عينك وثقافتك الخاصة، كما أنه أكد على أثر فعل الكتابة في حياة البشر وعلاقتها بالحياة (وبمن) يعيشون معهم، (وأجاب) على كل الأسئلة التي طرحتها هل تعلّمتم من الراحلين شيئا؟ هل أثروا فيكم تأثيرا إيجابيا لفن ممارسة الحياة قبل الرحيل.. نعم يا كاتب يا ماهر يا مبدع، أنا خرجت من الرواية بإيجابيات تحسب لك، أكثر مما أحصيته عليك، لأني لا أخفي أني رأيت الناقد بشكل كبير في الرواية، بل كانت تحوي الرواية قراءات كاملة عن بعض أعمال الكتاب الذين تناولت الحديث عنهم، وإن كانت وحدة العمل موجودة من خلال الراوي الناضج الواعي الذي يقودنا إلى عالم الرواية السحرية، مسربا إلينا الوعي بالزمان المتغير والمكان الذي يجسد لنا تفاصيل الدنيا من خلال أماكن تؤصل لنا روح الرواية، وإرساء البعد المعنوي..

وأني (كنت) مهموما أن أؤكد على محاورين آخرين في هذه الدراسة، ألا وهما: “منازعات الذات والبحث عن الحقيقة وإدراك الهوية” و ” بين السيرة والتأريخ والتجنيس الأدبي” ولكني رأيت أن ملمحهما، له الدلالة الأقوى في تناول الأعمال الشاملة للكاتب سيد الوكيل، أدعو الله أن يوفقني لهذا..

مختار أمين / أبريل 2016

 
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmailby feather

2 thoughts on “آني الوكيل مؤرخًا للموتى وساخرًا من الأحياء في رواية “الحالة دايت” بين فعل الكتابة وإشكالية الموت. د. مختار أمين

Comments are closed.