26/05/2022

.

A good word aimed at the service of humanity

المرأة في العراق القديم.. بقلم: حامد الحيدر.. أديب وباحث آثاري

1 min read

حامد الحيدر

Spread the love

المرأة في العراق القديم.. بقلم: حامد الحيدر.. أديب وباحث آثاري/ مغترب من العراق الحبيب

كان للمرأة دور رمزي كبير في المجتمع العراقي القديم، حيث كان ينظر لها بكثير من الاحترام والتقدير. وهذه النظرة مستمدة بالأساس من بعض المعتقدات الدينية القديمة التي تعود إلى فترة العصر الحجري الحديث (الألف الثامن ق.م) وذلك مع بداية تبلور الفكر الديني متمثلة بعبادة الآلهة الأنثى، أذ أحيطت المرأة حينها بهالة من القدسية، باعتبارها العنصر الولود ورمز الخصب ومنبع الحياة، حيث تم العثور خلال التنقيبات في العديد من المواقع التي تعود لتلك الفترة في وادي الرافدين على دمى أنثوية بولغ في إبراز أثدائها وأعضائها التناسلية، عرفت باسم (الآلهة الأم)… ثم تطورت فكرة تقديس المرأة فيما بعد مع نضوج المعتقدات الدينية العراقية القديمة المرافقة للثورة الحضارية التي حدثت للمجتمع الرافديني عند منتصف الألف الرابع ق.م، لتتمثل المرأة باثنتين من أهم آلهة العراقيين وهما (اينانا أو عشتار) إلاهة الجنس والحرب و(أريشكيكًال) إلاهة العالم السفلي، وهذا يعني إعتقاد العراقيين القدماء أن المرأة امتلكت النقيضين الأبديين (الحياة والموت)… كما صور الأدب الرافديني المرأة بعبرة بليغة بأنها كانت السبب في انتقال الحياة من مرحلة الهمجية والتوحش الى الحضارة والتمدن والرقي الانساني، وهذا تماماً ما سعت اليه ونجحت الفتاة (شمخة) مع (أنكيدو) في ملحمة (كًلكًامش) الخالدة. 
 بالنسبة للطبقة الحاكمة في المجتمع العراقي القديم، كانت النساء دوماً داعمات ومساندات لأزواجهن من الأمراء والملوك، وكنّ كثيراً ما يظهرن في المنحوتات إلى جوارهم. وتذكر النصوص السومرية المبكرة (منتصف الالف الثالث ق.م) أسماء العديد من الاميرات اللواتي كان لهن دور بارز في حياة مدنهن اجتماعياً ودينياً، مثل الاميرات (أورنانا) زوجة الأمير (أورنانشة) مؤسس سلالة (لكًش) الاولى، و(برانامترا) زوجة الامير (لوكَالندا) حيث كانت تناط بهن مهمة الإشراف على المعابد ومجريات الطقوس الدينية فيها. ويمكن الاستدلال أيضاً على أهمية المرأة عند السلالات السومرية الحاكمة في هذه الفترة، من خلال طرق الدفن والآثار النفيسة الموضوعة داخل قبور بعض الملكات والاميرات في مقبرة (أور) الملكية الشهيرة المكتشفة في عشرينات القرن المنصرم، منها قبور الأميرات (بوآبي) و(ننبندا)، اللتين قُبر إلى جانبهن العديد من الخدم والحاشية… لتتوج علاقة المرأة مع الحكم خلال فترة العصر الشوري الحديث، حين تولت العرش الاشوري الملكة الشهيرة (سميراميس)، الذي يقرأ أسمها بالآشورية (سمورامات) ومعناه (حبيبة الحمام)، ذلك بعد مقتل زوجها الملك (شمشي أدد الخامس) 828_ 811 ق.م، لتتولى الحكم خمس سنوات وصايةً على ابنها القاصر الملك (أدد نراري الثالث) 810_783 ق.م، وكانت خلال مدة حكمها تلك واحدة من أقوى ملوك العراق القديم، أذ نسبت إليها العديد من الأعمال والمشاريع العمرانية والحضارية، وكذلك قيامها بالعديد من الحملات العسكرية في البلاد البعيدة من أجل ترسيخ وتوسيع كيان الدولة الآشورية.
 أما عن المرأة في عموم المجتمع فكان دورها كبيراً ومهماً في تسيير عجلة حياة، خاصة داخل الأسرة، حيث كانت مسؤوليتها كبيرة ورئيسية في أدارة شؤون البيت وتربية الاطفال، لتمنحها الأعراف والتقاليد السائدة آنذاك (بعد الزوج) سلطة مُطلقة وصارمة على أولادها خاصة الإناث، لذلك أستوجب احترامها وطاعة أرادتها، ويتوضح ذلك جلياً من المثل السومري البليغ (أطع كلام أمك كأنه أمر إلاهي).. من جانب آخر فقد أباح لها المجتمع امتهان الكثير من الأعمال الأساسية إلى جانب الرجل، حيث عملت بشكل فاعل في الحقول والمزارع، وهنا أوضحت العديد من المنحوتات الطينية السومرية من الألف الثالث ق.م مشهد المرأة الفلاحة، حيث أظهرت إحداها فلاحة سومرية بملابس لا تختلف كثيراً عن فلاحات جنوب العراق في وقتنا الحاضر بيدها (مرواح) لتذرية الحبوب، كما صورت في أخرى وهي حاملة المعول لحفر الأرض.. أضافة للأعمال الزراعية فقد عملت بصفة كاهنات لخدمة المعابد وإدارتها، وكذلك طاهيات وساقيات في القصور ومغنيات للأفراح والمناسبات السعيدة، وندّابات للمآتم والأحزان وعازفات على مختلف الأدوات الموسيقية، كما امتهنت المرأة وبرعت في العديد من المهن والحرف مثل النسيج وخياطة الملابس، والصناعات الغذائية والبيتية وتحضير العطور، وأيضاً أدارة المحال والحوانيت التجارية والحانات، كما عملت أيضاً في مجال الطب، حيث أوردت النصوص الطبية والقانونية اشارات الى طبيبات كن مختصات بالقبالة وعمليات التوليد، وعلاج المشاكل الصحية النسائية ورعاية الاطفال، وأخريات أمتهن صناعة وتركيب الادوية وباقي المعدات والمستحضرات الطبية.
 ومع التطور الحضاري أفردت الفلسفة الدينية لأبناء العراق القديم إلهة خاصة للمعارف والعلوم والمدارس هي الإلهة (نيسابا)… أن لهذا الاختيار دلالة رمزية وفلسفية في غاية الأهمية، حيث منح دور رئيسي وجوهري للمرأة في أنتشار المعرفة وعملية التعليم، وبالتالي يعكس مدى الرقي الحضاري الذي وصل المجتمع العراقي القديم من خلال نظرته الراقية للمرأة التي شقت طريقها منذ ذلك الزمن نحو كافة مجالات الحياة أسوة بالرجال.. لذلك فأن الفتيات التحقن بالمدارس أسوة بالفتيان (وأن كنّ بنسبة أقل)، ليتخرجن بصفة كاتبات مارسّن دورهن المهني في المعابد والقصور والمدارس والمراكز التجارية ومراكز الأرشفة والتوثيق، وقد أشارت العديد من النصوص المسمارية في ذلك إلى أسماء العديد من الكاتبات الممتازات اللواتي أشير لهن بالبنان في عملهن… وبرمزية أخرى هامة لا تقل أهمية عن الأولى، كان كتّاب العراق القديم شديدي التعلق بالآلهة (نيسابا) ليجعلوا منها ملهمة لفكرهم.. فإذا ما نجحوا في كتابة موضوع ما بشكل متكامل ومُرضي وتوصلوا في خاتمته الى نتيجة منطقية، صحيحة فانهم يذيلون أسفل اللوح المسماري الذي كتبوه بعبارة (نيسابا زامي) وتعني في السومرية (الحمد للآلهة نيسابا)، أما عكس ذلك فكانوا يكتبون عبارة (نيسابا أنا بادا) وتعني (العلم عند الآلهة نيسابا).. ويضاهي ذلك قولنا اليوم، بلا تشبيه (الحمد لله) و(العلم عند الله). 
 لقد منحت القوانين العراقية خلال الالفين الثاني والأول ق.م المرأة حقوقاً اضافية ومركزاً اجتماعياً متميزاً، حيث منعت بل حرّمت بشكل كامل العنف ضدها أو ضربها أو أهانتها من قبل الرجل أياً كان، لتعاقب بعض القوانين الرجل بصرامة عن هذه الممارسات تصل بعضها لدرجة كسر اليد أو فقأ العين.. كما حمت تلك القوانين المرأة من استهتار الزوج بكرامتها من خلال الزواج بامرأة أخرى عليها أو تطليقها متى ما شاء أو أراد.. أذ نصت القوانين العراقية على أحادية الزواج بالنسبة للرجل، أي ليس له حق الزواج بامرأة ثانية إلا في حالات خاصة، أهمها عدم قدرة الزوجة على الانجاب أو لأصابتها بمرض لا يرجى شفائه.. ولنفس هذه الاسباب فقط مُنح الزوج حق طلاق زوجته، لكن اشترط عليه أن يدفع لطليقته مقداراً من المال يكفي لمعيشتها بكرامة، أو التكفل بإعالتها ما تبقى من حياتها.. وكان يحق للزوجة أيضاً وفي ظروف محددة أن تقيم دعوى ضد الزوج تطلب تطليقها منه، مثل.. ارتكابه الخيانة الزوجية، غيبته المتكررة عن البيت لفترات طويلة، التقصير في إعالة عائلته، تقليله من أهميتها وعدم التزامه بواجباته الزوجية اتجاهها… من جانب آخر منحت القوانين العراقية القديمة المرأة شخصيتها المالية المستقلة، إذ كان لها الحق بامتلاك الأموال والعقارات والعبيد، وأيضا كان لها الحق في امتهان التجارة بكافة صنوفها وإقراض الأموال، وتبني الأطفال حتى وأن لم تكن متزوجة.. ومن المهم ذكره كذلك أن القوانين نصت على أن شهادة المرأة أمام المحاكم كانت توازي شهادة الرجل ومعادلة لها.

Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmailby feather

3 thoughts on “المرأة في العراق القديم.. بقلم: حامد الحيدر.. أديب وباحث آثاري

Comments are closed.