06/12/2021

.

A good word aimed at the service of humanity

قراءة في قصيدة ليلة صحو للشاعر العراقي د. مديح الصادق/بقلم أ. منيرة الحاج يوسف… من تونس

1 min read
Spread the love

قراءة في قصيدة ليلة صحو للشاعر العراقي د. مديح الصادق

بقلم أ. منيرة الحاج يوسف… من تونس

تمهيد

إن الشعرية قيمة جمالية ثابتة في نصوص شاعرنا النثرية والشعرية على السواء إلا أنها شعرية متغيرة متحولة حسب طبيعة النص ومقصد الشاعر فيه وما يتوسل به من أساليب فنية ومعايير جمالية يتوجب على القارئ ترصدها لاقتناص دلالاتها الشعرية.

يطالعنا شعر د. مديح الصادق بخصوصية إبداعية مثيرة للذة متنامية من خلال ما يزخر به من حنكة إبداعية عالية و صور شعرية بديعة فيها وثيق اتصال بشعر القدامى.

العتبات:

العنوان، وما أدراك ما العنوان؟

جاء تركيبا إضافيا مشحونا بطاقة هائلة من التكثيف، فقد ربطت المتضايفين علاقة تضاد يكشف عنها ما يختزنه كل اسم من دلالات مغايرة لدلالات الاسم الآخر؛ فالليلة هي واحدة الليل، وهي تدل على الفترة المظلمة من النهار لكن هذه الظلمة الموضوعية يمكن أن تتبدد أو تتمدد حسب ما يقترن بها، إذ يمكن أن تكون ليلة ليلى، ليلة حمراء، ليلة اكتمال البدر، ليلة الميلاد؛ هي في قصيدتنا ليلة صحو والصحو هو الوضوح والجلاء والصفاء وعادة ما تتصل الصفة بالنهار لا بالليلة.

الصحو هو أيضا رجوع العارف إلى الإحساس بعد غيبته من منظور صوفي، وتستعيد الذات وعيها وتتخطى قيود الوهم وتفك وثاقه باقتدارمن منظور الفكر التأملي إذ يقال: “إن العقل يعيد خلق نفسه من العقل”

فالعقل هو أساس عملية الصحو، به يواجه الإنسان نفسه القديمة ليولد من جديد.

يتأكد المعنى من خلال الاستهلال إذ حدد الشاعر الإطار وحدد سياق الصحو آخر الليل، وهو زمن الولادات الجديدة للأنوار بعد ظلمة الليلة وصراع الأنا، وتخبطها ومواجهتها لذاتها إذ مثلت تلك الفترة الهزيع الأخير من الليل زمن توبة وعودة إلى الرشد، فيه يتبتل المخلوق إلى خالقه ويتهجد في صلاة القيام، حتى يطهر روحه من أدران الذنوب في ندم وانكسار، والليل عند الشعراء تقنية جمالية بامتياز إذ هو زمن انهمار الدموع الغزار يقول أبو فراس الحمداني :

“إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى

وأذللتُ دمعاً من خلائقِهِ الكِبرُ”

ومن الشعراء من اعتبر الليل امتدادا للألم والأرق القلق، كما هو حال الشاعر القيرواني في قوله:

“ياليلُ، الصبُّ متى غدُهُ؟

أقيامُ الساعةِ موعدُهُ”

لكن ما من شاعر من القدامى، ولا المحدثين صور الليل كما صوره امرؤ القيس في معلقته عندما قال:

“وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولَهُ

عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي”

لقد شكل الليل بما يمثله من أبعاد جمالية مصدر إلهام على مدار الشعرية العربية فهو الملاذ لمكنونات الشعراء فيه إيحاءات بلاغية بالغة ويخضع إلى ثنائيات عديدة كالراحة والعذاب، الامل واليأس، الشجاعة والخوف إلخ…

ثم هو المحتضن للذات الشاعرة المتشظية: “لي كتبت… والدمع خالط حبرها…”

أما الضمير فيخص الغائبة أنثى تحتمل أكثر من معنى لكننا سنعتمد المعنى الظاهر وهي الحبيبة شريكة العقل والروح، تحل الشاعر من نفسها محلا هاما فهو شريك الروح والعقل، وهو ربان السفينة بل أكثر من خلال اعتماد الشاعر تقنية التعداد للصفات: حبيب، شريك، دليل سفينتي رباني، الصادق، المنقذ، نبي ، ولي …، وتقنية التفريع باعتماد الجملة الاسمية الخادمة للوصف مشفوعة بالأسلوب الشرطي:

“وأنتَ المُرشدُ لي

وإنْ ضاقتْ الحلقاتُ بي

إليكَ بلا تردّدٍ تسعى قدمانِ”

وقد تكرر هذا الأسلوب فيما تلا من سطور:

“وفي حضنِكَ الدفءُ

ومُستقرِّي… إنْ الدنيا عليَّ قسْتْ

وفيهِ أماني…”

يتحول الحبيب من خلال مكتوب معشوقته إلى رجل رمز تنأى به عن كل وصف للسمات الخلقية، ما يرقى بهذا النص الشعري إلى مصاف الشعر العذري بامتياز؛ إذ تلونه العفة وتصبغه البطولة، والشهوة فيه شهوة روحية بامتياز إذ تتعالق الروحان إلى حد الاتحاد والتماهي، ويتحول الحبيب إلى (سوبر مان):

“أخفُّ من الريحِ أتيتَ وكانَ دليلَكَ

نبضي وحرُّ أنفاسي”

وتتعدد الصور الخارقة التي تُظهِر الحبيب في صورة تفوق القدرات العادية للبشر، بل بلغ الأمر بالحبيبة أن أوشكت على اعتباره نبيّاً او وليّاً أو ملاكا؛ لما لمسته فيه من قيم الخير والعدل والجمال، دستوره الصدق في القول والإخلاص في الفعل، ويسترجع الشاعر على لسان الحبيبة مواقف متعددة هي بمثابة الحجج الدامغة التي تقنع بهذه الصفات المثالية للحبيب؛ فقد كان سدّاً منيعاً ضد كل محاولات الإساءة إلى توأم روحه. تنوعت وسائل الوصف وتكثفت؛ فمن جمل اسمية إلى نعوت إلى أحوال إلى أفعال وصفية، ناهيك عن أسلوب الشرط والنداء والأمر والاستفهام وتواتر الإثبات والنفي؛ سبكها الشاعر سبك صائغ ماهر يتفنن في صناعة الذهب الخالص فيصنع منه قلائد وأساور وخواتم دون تعب أو إعياء، كذلك الشاعر يخوض مغامرة اللغة في بطولة باهرة فيها محفزات جمالية متوالدة منتشرة على امتداد السطور.

وفي النص براعة لا يقدر عليها إلا دارس علم النفس بل التخصص في نفسية الأنثى، العارف بدواخلها، المتفقه في احتياجاتها النفسية أساساً؛ لذلك نجح بأن يسرق قلب حبيبته وروحها وضميرها، كيف لا وما تحلى به من جميل الخصال مرام كل أنثى ومبتغاها، لذلك كان تاريخ اللقاء بينهما هو تاريخ ميلاد حقيقي لكليهما، وقد خطّا معاً دستوراً جديداً للعشاق، فيه العشق والصدق، وفيه الشرع والورع، فلا دين إلا دين الهيام والغرام الذي ربط روحيهما، كما ارتبط جميل ببثينته، وتعلق قيس بليلاه، وهام كثير بعزته؛ دون اعتبار لما ستؤول إليه النهاية الموجعة، ما من واحد فيهم ظفر بحبيبته، يقول توبة بن حمير:

تعلق روحي روحها قبل خلقنا

ومن بعدما كنا نطافا وفي المهدِ

فزاد كما زدنا فأصبح نامياً

وليس إذا متنا بمنتقض العهدِ

لكنه باقٍ على كلِّ حادثٍ

وزائرُنا في ظلمةِ القبرِ واللحدِ

إذ يبدأ الحب الحقيقي عندما لا نتوقع شيئا في المقابل،

وهي قفلة القصيدة الحزينة:

“وإنْ لغيرِكَ كانتْ قِسمتي

فأغفرْ- رعاكَ اللهُ- منيَ هفوةً

فمَن لم يُصُنْ الأوَّلَ

عاشَ شقيَّاً مع الثاني”

هي نهاية موجعة في حق حبيبين، راقية عالية إذا اعتمدنا الدراسة السيكولوجية؛ إذ لا سعادة دون تمزيق منطقة الراحة لمواجهة ظلالنا المظلمة، تفتح الحبيبة مصراع الباب على قيم إنسانية أصيلة هي التضحية والإيثار، والوفاء على حساب السعادة الضيقة.

الطريفُ أنّ الحبيبة هي من يقدم الدرس هذه المرة، في الحقيقة يصعب أن نفصل بين الصوتين، وإنْ ركز الشاعر على صوت حبيبته؛ فإنّ ضميريهما حاضران في اتحاد يصعب معه الفصل، بل هو اتحاد أيقظ الضمير ليصوغ حكمة في منتهى البلاغة، ومنتهى الطهارة الإنسانية التي يخلقها الحبّ؛ متى كان صادقاً قوياً نقيّا .

………………

النصّ:

ليلةُ صَحوٍ…

لحظةَ صَحوٍ من الضميرِ

وآخرَ الليلِ إذ تصحُو الضمائرُ

أو إلى الرشدِ بعضُ النفوسِ تؤوبُ

لي كتبتْ…

والدمعُ خالطَ حِبرَها

مَن كنتُ يوماً حبيبَها:

شريكُ عقليَ والروحَ

دليلُ سفينتي أنتَ، وربّاني

وأنتَ المُرشدُ لي

وإنْ ضاقتْ الحلقاتُ بي

إليكَ بلا تردّدٍ تسعى قدمانِ

وفي حضنِكَ الدفءُ

ومُستقرّي، إنْ الدنيا عليَّ قسَتْ

وفيهِ أمَاني…

الصادقُ في قولِكَ والفعلِ

وأنتَ ساعةَ دارتْ علي بهولِها

كنت المُنقذَ من حَيفي

ومِنْ هواني…

يا مَنْ بوصفِكَ أخشى الكفرَ

لو قلتُ إنَّكَ في ذا العصرِ

نبيٌّ، أو وَليٌّ بهِ جادَ زماني

في بئرِ يوسفَ ألقى بي، أحبَّتي

أخفَّ من الريحِ أتيتَ وكانَ

دليلَك نبضي، وحرُّ أنفاسي

وحينَ بأنيابِها عليّ أطبقتْ

من نورِ جبينِكَ شحَذتُ طاقتي

خلفَ جدرانِ سِجني

ورغمَ المسافاتِ؛ أتاكَ صوتي

فكنتَ ملاكاً عبرَ الحواجزِ مُنقذي

على جنحَيكَ كما العاشقونَ حملتَني

ذليلاً، أسودَ الوجهِ؛ باتَ سجَّاني

أشاعَ مَن لا ضميرَ لهُم بَيني

وخطُّوا اللافتاتِ بأسودِ الخطِّ

وأبياتَ نعيٍ كتبوا على جدرانِي

وهل نسيتَ أنْ حِقداً عليَّ

أحرقَ أهلي حقائِبي

وما حوَتْ؟

فجِئتَني بمثلِها وأزيدَ، حتَّى

إلى نبضِ قلبِكَ هادَ قلبي

وبلمسةٍ منكَ غادرَتْ أشجاني

بهمسٍ منكَ أبطلتَ سِحرَهُم

ألاّ أخلفَ العهدَ أقسمْتُ

ولِي أنتَ أقسَمْتَ أغلظَ الأيمانِ

وعدتُكَ أنْ يومَ ميلادِكَ أمحو

وأُعلنُ للخلقِ أنْ ساعةَ التقينا

تاريخُ مِيلادٍ لكَ، وهو مِيلادي

أتذكرُ إذ مِن رمالٍ بنَينا مُدناً

وللعاشقينَ شريعةً خطَطنا

ألّا يخونَ خلٌّ خلَّهُ

ومَن خالفَ ذا الشرعَ فهو العَقوقُ

وذِكرُهُ الفاني…

يأيُّها المديحُ الذي في الشِعرِ

مُلهمِي…

أنتَ مولايَ، وأنتَ مُعلِّمي

وأنتَ سلطاني…

تعالَ كي إليكَ أتوبَ

وعندَ الكرامِ، مثلِكَ، تُقبلُ توبَتي

فما غيرَكَ نفسي قد هوَتْ

ولا الروحُ قد استمالَها سواكَ

وإنْ لغيرِكَ كانتْ قِسمتي

فاغفر، رعاك اللهُ، منِّيَ هفوةً

فمَن لم يصُنْ الأوَّلَ

قد عاشَ شقيَّاً مع الثاني…

…………..

د. مديح الصادق
Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmailby feather